
د سعد ناجي جواد
سيدي شكد انت رائع سيدي
مؤتمر دافوس الأخير وما دار فيه من أحاديث ذكرني بحادثة طريفة جرت في العراق في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان أسلوب التمجيد بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وفي كل المجالات، نمط وعادة وفي احيان اضطرار (وتبين ان حتى الرئيس الأمريكي يحب هذا الأسلوب). في تلك الأيام ظهرت أغنية لاحد المطربين المشهورين والمحبوبين (رحمة الله عليه) عنوانها (سيدي شكد [كم] انت رائع سيدي). واشتهرت الاغنية كثيرا وكانت تعاد في كل يوم مرات من الإذاعة او التلفزيون، وخاصة بعد نشرة الاخبار الرئيسية -الساعة الثامنة مساءا- حيث كانت تلك النشرة في الغالب تبدأ بظهور الرئيس وهو يتحدث في مناسبة او اثناء لقاء مع اخرين. ومن كثرة تكرارها تصور المطرب المسكين انها نالت إعجاب المستمعين، والاهم انها نالت إعجاب الرئيس، فأعاد غنائها مشددا ومسلطنا ومضخما كلمة رائع. تذكرت هذه القضية والأغنية يوم امس عندما رأيت الرئيس الامريكي يتحدث في قمة دافوس، وكذلك بعض الامعات الذين تحدثوا بعده. فمثلا كرر صهره السيد جاريد كوشنر صفة رائع أكثر من مرة وهو يتحدث عن شخص عمه الرئيس ومنجزاته ومشاريعه ومخططاته. لم اتمكن من احصاء المرات التي كرر فيها الرئيس ترامب كلمة رائع واصفا افعاله ومخططاته لكثرتها، إلا ان هذا التكرار للكلمة رسم بسمة سوداء على مُحياي وقلت لنفسي لو كان المطرب العراقي الذي غنى هذه الاغنية حيا يرزق لنصحته ان يذهب إلى واشنطن ويغنيها إلى الرئيس ترامب.
لا اعتقد ان اي رئيس امريكي قبل الحالي امتلك هذا الكم الهائل من النرجسية، ولم اتصور ان التطبيل والتزمير للرئيس قد أصبح من سمات السياسة الأمريكية بعد عودته للحكم. علما بان كل الامور التي تحدث عنها الرئيس ووصفها بالرائعة لم تكن سوى فشل متكرر، او على الأقل لا يوجد دليل محايد يؤكد ادعاءات الرئيس. والأمر نفسه يسري على الأشخاص الذين أغدق عليهم هذه الصفة ايضا، مع ان كل المؤشرات تقول انهم لم ليسوا سوى نماذج واضحة للفشل.
اول امر (رائع) تحدث عنه الرئيس في كلمته، التي استمرت أكثر من ساعة (71 دقيقة) من الحديث عن نفسه وما اسماه بالإنجازات الداخلية (الرائعة) التي حققها بمناسبة مرور سنة على حكمه. الأمر (الرائع) الثاني الذي تحدث عنه هو النمو المضطرد في الاقتصاد الأمريكي الذي ادعى انه حققه في هذه المدة القصيرة، (ذكر رقما خاطئا عن نسبة التضخم)، مع العلم ان كل المختصين يؤكدون ان التضخم قد انخفض بدرجة بسيطة، ولكن قيمة الدولار انخفضت والأسعار لم تنخفض. ثم خلط الحابل بالنابل وانتقد كل الدول الاوربية وسخر من الرؤساء الحاضرين بصورة غير لائقة واعتبر نفسه النموذج (الرائع) الوحيد الناجح. وظل يكرر انه نجح في تحقيق سلام (رائع) في الشرق الأوسط، وبخصوص القضية الفلسطينية بالذات، وان خطته (الرائعة) هي التي نجحت في إنهاء الحرب في غزة وحققت سلام غير مسبوق، وانهت حربا استمرت لأكثر من سبعة عقود! والسؤال الذي طرحه الكثيرون من الذين استمعوا لكلامه هو هل ان الرئيس ترامب حقيقة لا يرى القتل اليومي الذي مازال مستمرا؟ وكيف يقول ان الأشخاص الذين ساهموا في وضع (خطة السلام) وفي تطبيقها بأنهم رائعون وفيهم الفاشل والفاسد والذي عرف بجرائمه السابقة مثل توني بلير؟ وطبعا جميعهم ولحد اللحظة رغم زياراتهم المتكررة لفلسطين المحتلة، ما زالوا يراوحون في مكانه، وفشلوا في إقناع نتنياهو للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب نفسه. وحتى الفريق (الرائع) الذي شكله لإدارة غزة لم يضم سوى فلسطيني واحد في منصب هامشي، اما الفاعلين فكلهم اجانب وغالبيتهم من مؤيدي الاحتلال الإسرائيلي. علما ان كل الأحاديث التي دارت عن غزة ركزت على ضرورة تدمير حماس اذا لم تسلم جثة آخر جندي وسلاحها، ولم يذكر الضحايا الفلسطينيين الذين وصل عددهم الى 70 الف قتيل وثلاثة اضعاف هذا العدد من الجرحى، ومليوني غزاوي مشرد بعد دمرت منازلهم ومدنهم، والأهم لم ترد كلمة واحدة عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، بكلمة اخرى ان هذا العمل (الرائع) لم يعالج سبب المشكلة. ثم عاد ووصف تجاوزه على فنزويلا وعلى رئيسها المنتخب بانه عمل (رائع)، بينما وبحسب قواعد القانون الدولي فان ما فعله لا يعدو كونه قرصنة واضحة وانتهاك لسيادة وحرمة اراضي لدولة مستقلة واستخفاف بآراء الشعب الذي انتخب رئيسه، والأهم إستخفاف بأهم وثيقة ساهمت الولايات المتحدة في وضعها إلا وهي ميثاق الامم المتحدة، (للتذكير فان العراق دمر بحربين كبيرتين ثم احتل من قبل الولايات المتحدة لإتهامه بخرق نفس المادة في ميثاق الأمم المتحدة التي خرقها الرئيس ترامب!). ثم ما هو(الرائع) في عملية سلب 50 مليون برميل من نفط فنزويلا وترك تلك الكمية الكبيرة بيد واشنطن لتتصرف بها. وكيف يمكن وصف هجومه على ايران بانه عمل (رائع) وهو لا يزال يهددها، وهناك ما يشير الى انه يدبر لهجوم كبير آخر، مما يدلل على فشل هجمته السابقة. وكيف يقول ان الضرائب التي فرضها على العالم بانها عمل (رائع) وكل المحللين والمفكرين الاستراتيجيين اكدوا انها عملية فاشلة وتقوض النظام الإقتصادي العالمي السائد المبني على التعاون والمشاركة. اما اخطر ما ركز عليه ترامب في كلمته وتصرفاته في دافوس اشاراته الواضحة الى ان العالم كله يجب ان يخضع لإرادة الولايات المتحدة، وانه يجب ان يُمنح ملكية غرينلاند وإلا فانه سوف يستردها بالقوة، وان رفض الدانمارك لهذه الفكرة لن يجدِ نفعا، وكذلك اصطفاف دول الناتو معها.
ربما تصور الرئيس الأمريكي ان ما فعله في هذا المؤتمر اكد لأوروبا خاصة وللعالم عامة ان الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة الوحيدة في الكون، والتي يجب ان تُطاع وتَرضخ لها كل دول العالم. إلا ان ردود الأفعال كانت أوضح، خاصة تلك التي جاءت من دول اعتُبِرت قبل هذا المؤتمر بانها من أهم حلفاء الولايات المتحدة، وبالذات كلمة رئيس وزراء كندا مارك كارني الشجاعة والتاريخية. لقد تحدث الرجل بلباقة وثقة عالية عن الخطر الذي يهدد العالم من جراء سياسات ترامب (دون ان يذكره بالاسم) واصراره على اخضاع العالم، وان القوى العالمية التي تأتي بالدرجة الثانية بعد الولايات المتحدة (مثل كندا ومن في نفس خانتها) مطالبة بان تعيد ترتيب مواقفها، مؤكدا ان ما يجري هو ليس إعادة ترتيب للنظام الدولي الذي انبثق بعد الحرب العالمية الثانية وانما تمزيق لهذا النظام. كما اكد ان فرض الأمور بالقوة لا يمكن ان يأتي بالنتيجة التي ترغب القوة المهيمنة في الحصول عليها. وكذلك فعل الرئيس الفرنسي، الذي زاد في تحديه برفض ضم غرينلاند بالقوة، وسبق ذلك بتوجيه دعوة مفتوحة للصين للإستثمار في اوروبا، وهذا الكلام كان بالتأكيد نكاية بالرئيس ترامب. وانضمت رئيس وزراء بريطانيا لموقف فرنسا وكندا والدنمارك، وقبل ذلك كانت موافقة الحكومة على طلب الصين بناء سفارة ضخمة جديدة في لندن. كما ان رفض دول مهمة في العالم من الإنضمام (لمجلس السلام) الخاص بغزة، مثل السويد والنرويج وايطاليا وفرنسا والمانيا واسبانيا، وتحفظت كل من الصين وكندا وروسيا، شكل ردا واضحا على عقم خطته لرسم مستقبل غزة. وكل هذه التحديات هي بالتأكيد إشارات على تفكك النظام الدولي (الغربي) كما يسمى وبداية النهاية للهيمنة الأمريكية، وان إصرار ترامب على سياساته، سوف لا ينتج عنها سوى مواجهات ستكون الصين وروسيا اكبر المستفيدين منها، كما يؤكد قادة الناتو
الكثير من الكتابات تؤكد ان كل مغامرات الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية قد باءت بالفشل، وراح ضحيتها الملايين من الأبرياء المدنيين، ولكن الهيمنة الأمريكية ظلت كما هي. لكن الأزمة الحالية تهدد بإنهاء هذه الهيمنة، بل وانهيار النظام الدولي، وان العالم سيعاني كثيرا حتى ينجح في ارساء نظام آخر بديل عنه يحفظ السلم والأمن الدوليين. بعض الدراسات الأمريكية الحديثة حذرت اولئك الذين يأملون في ان تقوم الولايات المتحدة بتدارك الأمر ووضع حد لنهج ترامب المستهجن عالميا، واكد كتابها بان هذا النهج قد تجذر في السياسة الأمريكية، وان على العالم ان يوطن نفسه على سياسات امريكية قادمة مشابهة في المنظور القريب، وان حتى غياب ترامب عن المسرح السياسي سوف لن يغير شيئا بالنسبة للسياسة الأمريكية.

1150 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع